تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

335

نظرية المعرفة

ومستمر ، أُسوةً بتلك السنّة الطبيعية ، وأنّ التكامل الاجتماعي لا يتحقق إلّا في ظلّ هذه الثورات الّتي هي انتقال دفعي من حالة إلى أُخرى . ولكن هذه النظرة باطلة جداً ، بل الإنسان الحرّ ينظر إلى المجتمع ، فإن كان غارقاً في الفساد الإداري ، والاستبداد والظلم ، حكم بلزوم قَلْبه وتغييره وتأسيس نظام عادل جديد ، وأمّا إذا كان المجمع مستقراً ، والفساد فيه سطحياً ليس مستشرياً في الجذور ، وكان المصلحون وأصحاب الهمم العالية متواجدون في جميع أجهزة الحكومة ، فلا ريب أنّ تكامله رهن الإصلاح الهادي والتدريجي ، لا الدفعي . فالدواء ليس هو الثورة ، بل الإصلاح ولو بدونها . وهذا يثبت اختيار الإنسان وحريته ، وأنّه ليس مكتوف اليدين أمام الطبيعة وسننها ، بل له موقف انتخاب الأصلح له ولمجتمعه . 2 . إنّ الذين تبنّوا علّية السُّنن الطبيعية للحِكَم العمليّة ، إنّما تبنّوا ذلك ليبرروا إيديولوجيتهم « 1 » وأفكارهم الثورية ، فوجدوا في هذه النظرية ، مضافاً إلى أصل « قفزات التطور » من أُصول الديالكتيك الهيجلي ، خير غطاء لإعطاء الشرعية لثورة البروليتاريا ( الطبقة العمالية ) على الرأسماليين والإقطاعيين . فلم تكن إيديولوجيتهم منطلقة من النظرة العامة إلى الكون ، بل كانت الإيديولوجية المتبناة مسبقاً عندهم ، سبباً لأن يتبنوا تلك النظرية ، وينتخبوا ذلك الأصل المزعوم . وليست هذه الطريقة بدعاً لديهم ، بل هي ديدن أصحاب الضلالات الأباطيل عبر العصور ، فإنّ ضلالاتهم إنّما تجذب إليها الأفئدة والنفوس ، إذا اتّخذت لنفسها واجهة علمية ، ولبست لباساً منطقياً ، وصُبغت بصبغة الحق .

--> ( 1 ) . الإيديولوجية ( ygoloedi ) كلمة ( oedi ) بمعنى الفكر ، ( ygol ) بمعنى العلم والمعرفة . وكانت سابقاً تطلق على كل ما يحمله الفكر الإنساني من عقائد وعلوم ومعارف ، ولكن هذا الاصطلاح تطور لاحقاً وصار يطلق أخيراً على كل ما يتبناه الإنسان في حياته الاجتماعية والسياسية ممّا يلزمه العمل به لأجل حياة أفضل . وشاع إطلاقها على برامج الحزبيين والسياسيين وآرائهم الّتي يدّعون أنّ السعادة في إجرائها . فلو أُطلق في هذه الأيام ، فلا يراد إلّا هذا المعنى الأخير ، وعليه جَرَيْنا في الاستعمال .